أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

38

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : أن قوله تعالى : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ليس متعلّقا بالتمني بل هو محض إخبار من اللّه تعالى بأن ديدنهم الكذب ، وهجّيراهم « 1 » ذلك ، فلم يدخل الكذب في التمني . وهذان الجوابان واضحان ، وثانيهما أوضح . والثالث : أنا لا نسلم أن التمني لا يدخله الصدق ولا الكذب بل يدخلانه ، وعزى ذلك إلى عيسى بن عمر ، واحتج على ذلك بقول الشاعر : 1902 - منّى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى * وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا « 2 » قال : وإذا جاز أن توصف المنى بكونها حقا جازت أن توصف بكونها باطلا وكذا » . وهذا الجواب ساقط جدا ، فإنّ الذي وصف بالحق إنما هو المنى ، والمنى : جمع منية ، والمنية توصف بالصدق والكذب مجازا ، لأنها كأنها تعد النفس بوقوعها ، فيقال لما وقع منها صادق ، ولما لم يقع منها كاذب ، فالصدق والكذب إنما دخلا في المنية لا في التمني . والثالث : من الأوجه المتقدمة أن قوله : « وَلا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ » خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة استئنافية لا تعلق لها بما قبلها ، وإنما عطفت هاتان الجملتان الفعليتان على الجملة المشتملة على أداة التمني وما في حيّزها ، فليست داخلة في التمني أصلا ، وإنما أخبر اللّه تعالى عنهم أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم لا يكذبون بآيات ربهم ، وأنهم يكونون من المؤمنين . فتكون هذه الجملة وما عطف عليها في محل نصب للقول ، كأن التقدير : فقالوا : يا ليتنا نردّ ، وقالوا : نحن لا نكذّب ، ونكون من المؤمنين ، واختار سيبويه هذا الوجه ، وشبهه بقولهم : دعني ولا أعود ، أي : وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني ، أي : لا أعود على كلّ حال ، كذلك معنى الآية أخبروا أنهم لا يكذّبون بآيات ربّهم ، وأنهم يكونون من المؤمنين على كل حال ، ردوا أو لم يردوا . وهذا الوجه وإن كان الناس قد ذكروه ورجّحوه ، واختاره سيبويه كما مرّ ، فإنّ بعضهم استشكل عليه إشكالا ، وهو أن الكذب لا يقع في الآخرة ، فكيف وصفوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم : « وَلا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ » . وقد أجيب عنه بوجهين : أحدهما : أن قوله : « وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » استئناف لذمهم بالكذب ، وأن ذلك شأنهم كما تقدم ذلك آنفا . والثاني : أنهم صمموا في تلك الحال على أنهم لو ردوا لما عادوا إلى الكفر ، لما شاهدوا من الأهوال والعقوبات ، فأخبر اللّه تعالى أن قولهم في تلك الحال : « وَلا نُكَذِّبَ » وإن كان عن اعتقاد وتصميم يتغير على تقدير الردّ ، ووقوع العود ، فيصير قولهم : « وَلا نُكَذِّبَ » كذبا ، كما يقول اللّص عند ألم العقوبة : لا أعود ، ويعتقد ذلك ، ويصمم عليه ، فإذا خلص ، وعاد كان كاذبا . وقد أجاب مكي أيضا بجوابين : أحدهما : قريب مما تقدم . والثاني : لغيره ، فقال : أي لكاذبون في الدنيا في تكذيبهم الرسل ، وإنكارهم البعث للحال التي كانوا عليها في الدنيا . وقد أجاز أبو عمرو وغيره وقوع التكذيب في الآخرة ، لأنهم ادعوا أنهم لو ردوا لم يكذّبوا بآيات اللّه ، فعلم

--> ( 1 ) قال في اللسان : وما زال ذلك هجّيراه وإجريّاه . وإهجيراه وإهجيراءه - بالمد والقصر - وهجّيره وأهجورته ودأبه وديدنه ، أي : دأبه وشأنه وعادته . وقال الأزهري : هجّيرى الرجل : كلامه وأدبه وشأنه . اللسان : هجر 4619 . ( 2 ) البيت لرجل من بني الحارث انظر شرح الحماسة ( 3 / 1413 ) ، روح المعاني ( 7 / 130 ) الرغد : السعة في العيش .